عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
234
اللباب في علوم الكتاب
وفي سورة التغابن [ الآية 9 ] والطلاق [ الآية 11 ] بنون العظمة ، والباقون بالياء ، والضمير للّه تعالى . فإن قيل : كيف جمع خالِدِينَ في الطائعين ، وأفرد خالدا في العاصين ؟ . فالجواب : قالوا : لأنّ أهل الطّاعة أهل الشّفاعة ، فلمّا كانوا يدخلون هم والمشفوع لهم ناسب ذلك الجمع ، والعاصي لا يدخل به غيره النار ، فناسب ذلك الإفراد . قوله : تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ هذه الجملة في محل نصب صفة ل « جنات » ، وقد تقدم مرارا أن المنصوب بعد « دخل » من الظروف هل نصبه نصب الظّروف ، أو نصب المفعول به ؟ الأوّل : قول الجمهور . والثاني : قول الأخفش ، فكذلك جَنَّاتٍ ، و ناراً . فصل [ في دلالة هذه الآية على أن العصاة من أهل الصلاة يخلدون في النار ] فصل قالت المعتزلة « 1 » : هذه الآية دلّت على أنّ العصاة من أهل الصّلاة يخلدون في النّار ؛ لأنّ قوله وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ إمّا أن يختص بمن تعدّى الحدود المتقدمة ، وهي حدود المواريث أو يدخل فيها ذلك وغيره ، وعلى هذا يلزم دخول من تعدّى في المواريث في هذا الوعيد ، وذلك عام فيمن تعدّى ، وهو من أهل الصّلاة ، أوليس من أهل الصّلاة فدلّت هذه « 2 » الآية على القطع بالوعيد وعلى الخلود ، ولا يقال على هذا الوعيد مختص بمن تعدّى حدود اللّه ، وذلك لا يتحقّق إلّا في حقّ الكافر ، فإنّه هو الّذي تعدّى جميع حدود اللّه ، فإنّا نقول : هذا مدفوع من وجهين : الأوّل : أنّا لو حملنا هذه الآية على تعدي جميع حدود اللّه خرجت الآية عن الفائدة ، لأنّ اللّه تعالى نهى عن اليهوديّة والنّصرانية ، والمجوسيّة ، فتعدي جميع هذه النّواهي وتركها إنما يكون بأن يأتي اليهودية والنصرانية والمجوسية معا ، وذلك محال ، فثبت أن تعدي جميع حدود اللّه محال ، وإذا كان كذلك علمنا أنّ المراد منه أي حدّ كان من حدود اللّه . الثّاني : أنّ هذه الآية مذكورة عقيب قسمة المواريث فيكون المراد فيها التّعدي في الحدود المذكورة في قسمة الموارث . وأجيب « 3 » بأنّا أجمعنا على أنّ هذا الوعيد مختصّ بعدم التّوبة ؛ لأنّ الدّليل دلّ على أنّه إذا تاب لم يبق هذا الوعيد فكذلك يجوز أن يكون مشروطا بعدم العفو ، فإنّ بتقدير « 4 »
--> - 130 ، وشرح شعلة 335 ، وشرح الطيبة 4 / 195 ، وإتحاف 1 / 505 . ( 1 ) ينظر : الرازي 9 / 184 ، 185 . ( 2 ) في أ : قدمت . ( 3 ) في أ : وأجيبوا . ( 4 ) في أ : بتقديم .